محمد جواد مغنية

8

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

قيل أن يطرح الفكرة بوضوح ، أو قبل أن يعرف الطالب ما ذا قيل ويقال - أما هذا الأسلوب الخانق فتتلاشى معه رغبة التلميذ وتتبخر مع الريح ، ويرى الدرس جحيما ، وييأس منه ومن فهمه . يقرأ الطالب النجفي أو القمي من علم الأصول كتاب : المعالم ، والكفاية ، والكتاب المعروف ( بالرسائل ) ، ويمضي في ذلك سنوات خمسا أو أكثر أو أدنى من ذلك ، وتنعكس في مخيلته بعض الصور عن أصول الفقه . وقد يترك الدرس لسبب أو لآخر ، فتذهب تلك الصور مع الأيام إذا لم يتابع المطالعة والمراجعة . ولو كان قد أتيح له أستاذ معاصر بالمعنى المراد طوال المدة التي قضاها مع الكتب الثلاثة لاختزن عقله الكثير مما استمع اليه وانتفع به من قبل . إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . اقرأ على مهل وأكثر ما في هذه الصفحات من وحي ما قرأته في الكتب الصعبة وهوامشها ، لا من وحي ما سمعت وكفى . . قرأت الكثير الكثير ، وأنا مدين بكل ما كتبت ونشرت لكل من قرأت حتى لأهل الطلاسم والألغاز ، وكنت وما زلت إذا صادفتني كلمة مطلسمة وعبارة مظلمة أصبر عليها صبر العاشق الولهان . . ولا أفر منها ، ولا استسلم لوصيدها وتعقيدها ، وإذا لم أبلغ منها ما أريد تركتها يوما أو بعض يوم ، ثم أسرع الكرّة عليها المرة تلو المرة حتى أفهم ، ومتى فهمت سخرت من نفسي كيف تبلدت مع أن العبارة لم تكن صعبة كما كنت أتصور ! وأخيرا تعلمت من تجربتي أن ما من أحد يتعمد الفهم والعلم إلا ويأخذ منه بطرف . قال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : من طلب شيئا ناله أو بعضه . ونصيحتي لكل قارئ وطالب أن يقرأ على مهل ، ولا يتعجل النهاية ، وأن يصبر ولا ييأس وان طال به الأمد . وهذا أول درس في طريق النجاح . العبرة بالكيف لا بالكم ربما يقول قائل بنية صالحة أو طالحة : لو كان الكتاب أضخم لكان أعز وأكرم .